اعتقد كثيرون أن وصول الرئيس بايدن للبيت الأبيض سيعني بالضرورة وسريعا العودة لسياسات سلفه أوباما خاصة مع إيران. لكن ما يؤكد صعوبة ذلك هو أن الأمن القومي الأمريكي محكوم أساسا بقاعدة “المهم والممكن” وهي القاعدة التي يمكن أن تفسرها هذه السلسلة التي تطل بك على جانب من كواليس

أيام وزير الدفاع الأمريكي جيمس ماتيس في البنتاغون، تمنحك إطلالة على مفهوم الأمن القومي والخلاف الحاصل بين نخبة الحكم ومؤسساته حول الدور الأمريكي في العالم،وبحث واشنطن عن دور مختلف في نظام عالمي جديد. ما اجتمع عليه ترمب وأوباما واختلفوا فيه مع ماتيس!

‏مثلت حادثة مقتل الجندي الأمريكي وفشل عملية اليمن في الحصول على معلومات استخباراتية، اختبارا حقيقيا لعلاقة ترمب/ماتيس. ليس ثمة أحد في واشنطن لم يعرف أن الرجل في البنتاغون كحائط صد لصدمات منتظرة من الإدارة الجديدة في زيارته الأخيرة لمنزله في ستانفورد جمع ماتيس أوراقه وحاجياته ومن بينها مجموعة كبيرة من المدونات أوشكت أن تكمل كتابه المنتظر عن خدمته كقائد للقيادة المركزية إبان عهد أوباما قبل أن أريد له أن يترك الخدمه ويتقاعد

وقع نظر ماتيس بينما كان يجمع الأوراق المتناثرة على مكتبه على ملاحظات استخلصها من حوار مطول أجرته مجلة ذي أتلانتك من الرئيس السابق ومجموعة من كبار مسؤولي إدارته حول سياسة أوباما للأمن القومي وما عرف لاحقا ب Obama Doctrine

كان ماتيس قد كتب هذه الجملة التي قالها أوباما لرئيس تحرير المجلة “حلفاؤنا راكبون بلا أجرة Free Riders”. ما أدهش ماتيس هو أنه لم يكد يسمعها من ترمب أيضا قبل أيام خلال الاجتماعات الأولى لهما في البيت الأبيض. من فرط الدهشة أعاد ماتيس قراءة النص الأصلي للحوار.

بلى؛ هي ذاتها الجمله، أي مفارقة هذه. إنها دليل على أن ماتيس كان قائدا في الادارة الخطأ والآن هو وزير دفاع في الإدارة الخطأ، ويبدو أنه مصيره مع ترمب لن يختلف كثيرا عن مصيره مع أوباما.‏”ثمة قاسم مشترك في قيادة الجيش الأمريكي التي كانت في الخطوط الأمامية للحرب في العراق، أنهم جميعا أدركوا أن الحرب ليست رحلة وأن أول ما ينبغي عليك الإجابة عليه هو كيف ستنهيها لا كيف ستبدأها” تلك كلمات ماتيس التي تتصدر فصلا في كتابه “استدعاء الفوضى”،الذي صدر حديثا ويعد بمثابة مذكرات ودفاعا عن وجهة نظره التي دفعت بأوباما لإنهاء خدمته سريعا. بالنسبة لماتيس فإن أوباما استدعى الفوضى لأنه غيب الدور الأمريكي ولم يكن موجودا حتى حين ضرب موعدا مع الأعداء في سوريا بخطاب الخط الأحمر الشهير.

‏كان ماتيس يرى أن إيران هي التهديد الأكبر لمصالح الولايات المتحدة وأن معضلة واشنطن معها ليست محدودة بالبرنامج النووي وإنما أيضا بضمان السماح بوجود الردع الأمريكي في مياه الخليج، وهو أمر يقول إن طهران ستهدده فور أن تصفو لها سماء العلاقة مع الغرب بعد الاتفاق ‏ولهذا فإنه يرى أن التفاوض والردع لابد أن يتزامنا ولا يغيب أحدهما. حاول ماتيس أن يدفع من خلال موقعه في القيادة الوسطى ادارة أوباما للحفاظ على قوة الردع ضد ايران لكنه فشل واتهم كما قال أوباما نفسه “ماتيس يريد عسكرة دبلوماسيتنا”.

‏وفي جلسة الموافقة على تعيينه وزيرا للدفاع بإدارة ترمب الذي اقتضى استثناء نادرا، لخص ماتيس نظرته للتهديد الذي يواجه المصالح الأمريكية في مثلث ذي أضلاع ثلاث: ١- تهديد القوة: وهذه الصين التي تعمل ليل نهار في الخفاء على توسيع نفوذها وقوتها

‏٢- تهديد الحسم: وهذا يراه في تنامي خطر كوريا الشمالية، والإرهاب في بقاع عدة بما يحتاج تدخلا عاجلا. ٣- تهديد الإرادة: وهذه روسيا ومحاولتها توسيع نفوذها على خط التماس الأوروبي وفي الشرق الأوسط. لفت انتباه أعضاء مجلس الشيوخ أن ماتيس لم يذكر إيران وحين سؤل علل ذلك بقوله: لا يمكنني أن أضع إيران في أي من الأركان الثلاث، إن الخطر الإيراني مبني على معالجتنا ورد فعلهم، ولهذا فإنه ليس في مثلث الخطر الاستراتيجي وإنما في دائرة المواجهات الآنية المتكررة.

‏من هنا بدأت مشكلة ماتيس مع ترمب، وهي ذاتها وإن بصياغة أخرى مع سلفه أوباما. فكلاهما يريد إعادة صياغة الدور الأمريكي في الشرق الأوسط؛ أن ينقلها من دور الشرطي إلى دور أكثر انعزالا وخفاء invisible. يريد للحلفاء أن يقودوا الدفة لأن المصير لم يعد واحدا، ولأن واشنطن أرهقها خلع مسامير الأعداء لأنهم لن يتركوا شواكيشهم. بالنسبة لترمب وأوباما يجب أن تركز واشنطن على الصين، أوباما واجههم في بحرهم وترمب يواجههم في حاويات بضائعهم.

الأيام الأولى لماتيس مع ترمب كانت عصيبة، لكنه استطاع فيها أن يحتفظ للبنتاغون باليد الطولى في رسم السياسات الدفاعية. لكن خطوط الاتصال لم تهدأ بين واشنطن والبنتاغون على إثر خلاف وجهات النظر. وكان ماتيس يعمد لإطفاء الحرائق كلما اندلعت.

‏ومع الوقت شعر فريق ترمب أن ماتيس يأخد خطوات أكبر من المفروض، خاصة عندما دعي السراج رئيس حكومة الوفاق بموافقة على مضد من فريق البيت الأبيض إلى البنتاغون وجرى تنسيق عملية مواجهة داعش في سرت. ‏لقد تحرك ماتيس مستفيدا بآليات منصبه القديم كقائد للقيادة المركزية لمواجهة تهديد داعش في بداياته في ليبيا، وقد نجح في ذلك. لكن هذا لا يعني أن فريق البيت الأبيض كان راضيا عن هذا التنسيق، وطرح سؤال على ماتيس في احد الاجتماعات، كم كان حجم مساندة الحلفاء الأوروبيين في هذه العملية؟

وعندها أدرك أن معضلته مع أوباما هي ذاتها تتكرر مع ترمب، فكلاهما يزدري الحلفاء، أمر يرى ماتيس أنه يمثل خطرا حقيقيا على واشنطن إذ تقرر أن تترجل عن موقع القيادة.‏لا ينبغي بالنسبة لماتيس أن تحصل مقايضة مع الحلفاء، فالأمن القومي الامريكي ليس مهددا من المكسيك بل هناك خلف البحار وفق المثلث المذكور سابقا، لكن ترمب يراه مهددا فقط من منظور المصالح الاقتصادية وفقط، فالاقتصاد هو العامل الوحيد بالنسبة له الذي يبقي أمريكا “عظيمة”.

من تغريدات الاستاذ محمد معوض عبر ثريد في تويتر