كيف وقعت مجزرة سربرينستا في يوليو 1995 مع أن المفترض أن المدينة منطقة آمنة تخضع لحماية الأمم المتحدة؟ وكيف تم نزع سلاح المسلمين؟ وماهو دور الكتيبة الهولندية الشهيرة ؟ ولماذا لم تتدخل المنظمة الدولية لحماية المسلمين؟ وما هو دور بريطانيا وفرنسا والأمين العام للأمم المتحدة آنذاك المصري بطرس بطرس غالي ؟ (واعتذر عن الإطالة اليوم قليلا، فالتفاصيل مهمة)

للإجابة عن هذا السؤال نعود عامين إلى الوراء ففي ربيع 1993 تكدس عدد كبير من اللاجئين في المدينة وزاد سكانها إلى حوالي 30 ألف بعد أن كانوا 7 آلاف فقط ولهذا أُعلنت سربرنيتسا إلى جانب مدينتين أخرتين في شرق البوسنة “جيبا وغوارجدا”، مناطق آمنة منزوعة السلاح تحت حماية الأمم المتحدة ولكنها كانت جيوبا منعزلة وسط مناطق يسيطر عليها صرب البوسنة بشكل شبه تام ويهاجمونها بشكل شبه منتظم وعندما لاحت بوادر اتفاق سلام ومحاولات لإنهاء الحرب حاولوا السيطرة على أكبر قدر من الأراضي.

وثار غضب صرب البوسنة بسبب ما اعتبروه انحياز الأمم الأمم المتحدة إلى جانب المسلمين، وبعد مفاوضات، توصلت الأمم المتحدة إلى اتفاق يقضي بنزع أسلحة المقاتلين المسلمين في سربرنيتسا، ونفذت قوات الأمم المتحدة ذلك الاتفاق، بزعم أنها ستتولى حماية المدينة وهو ما اكده المسلحون الذي روى بعضهم كيف اعترضتهم قوات الأمم المتحدة وأجبرتهم على تسليم اسلحتهم التي كانووا يدافعون بها عن المدينة.

ومع بداية هجوم قوات صرب البوسنة على المدينة في يوليو 1995 كانت المدينة تقريبا بلا سلاح، ولجأ المسلمون لقوات الأمم المتحدة طلبًا للحماية وفقا لما تم الاتفاق عليه ، كان عددهم في تقديرات مختلفة بين عشرين وخمسة وعشرين ألف رجل وطفل وسيدة، لكن الكتية الهولندية التابعة للأمم المتحدة استقبلت خمسة آلاف داخل مقرها وتركت الباقين.

تجمع الباقون في مصنع للبطاريات أمام المقرّ، وجاء القائد العسكري لصرب البوسنة الجزار راتكو ملاديتش واجتمع مع قائد الكتيبة الهولندية كاريمانس، وفي اليوم الثاني تجول ملاديتش في أنحاء البلدة أمام وسائل الإعلام تصوّره وهو يخاطب المدنيين المجتمعين “لا تهلعوا، واسمحوا للنساء والأطفال بالمرور للخروج من المدينة، لن يتعرض أحد لكم بأذى”، وتعالت صيحات المدنيين بعدها: “شكرًا لكم”!

ولكن ما حدث بعد أن ذهبت كاميرات الصحفيين مختلف تمامًا، حيث بدأت في 10 يوليو أعمال القتل والاغتصاب والتنكيل المرعبة تحت مسمع ومرأى الكتيبة الهولندية دون أن تحرك ساكنا، وفيما بعد، في 21 يوليو، شوهد ملاديتش وكاريمانس يتصافحان ويقرعان كأسيهما ويقدم ملاديتش هدية له(مرفق الصورة الشهيرة)، وكذلك شوهد الجنود الهولنديون يحتفلون بعد خروجهم من سربرنيتسا، وحين بدأت التقارير ترد عن حدوث مجزرة لم يصرّح المبعوث الأممي إلى البوسنة ياسوشي أكاشي بشيء، بينما وصف كاريمانس هجوم الصرب على سربرنيتسا بـ”العملية العسكرية المخطّط لها بشكل ممتاز”(محكمة هولندية قضت في 2016 بأن كتيتهم في سربرينتسا مسؤولة بنسبة 10 % عن مقتل 350 بوسنيا!)

ربما يجادل البعض أن الكتيبة الهولندية كانت مسلحة تسليحا فرديا خفيفا وذخيرتها قليلة وكان من الصعب أن تواجه قوات مدربة ومسلحة تسليحا ثقيلا مثل قوات ملاديتش، لكن كانت هناك آلية متفق عليها، تسمح لحلف الناتو بتوجيه ضربات جوية عندما تتعرض قوات حفظ السلام الدولية في البوسنة للخطر أوعندما تتعرض المناطق الآمنة التي تعهدت الأمم المتحدة بحمايتها للخطرن وذلك بناء على تفويض صادر من مجلس الأمن الدولي، لكن قرار مجلس الأمن لم يصدر أبدا فيما يخص سربرينتسا رغم الشواهد الكثيرة التي كانت تؤكد أن دماء المسلمين ستسيل أنهارا قريبا، وتشير أصابع الاتهام إلى بريطانيا وفرنسا بتعمد عرقلة صدور مثل هذا القرار في الكواليس، وتقاعس بطرس غالي عن الضغط لنجدة الضحايا.

بشكل عام فإن قيام دولة مسلمة شبه قوية في وسط أوروبا لم يكن مرغوبا فيه، وكان الثمن الذي تم دفعه مقابل ذلك رهيبا، فكالعادة تم فرض حظر تسليح على الأطراف المتحاربة، ووقع المسلمون في الفخ كما وقعوا فيه سابقا وسيقعوا فيه لاحقا في مناطق مختلفة، فحظر السلاح ونزعه يتم تطبيقه على المسلمين فقط لكن عدوهم لا، مما جعلهم الحلقة الأضعف، ورغم ذلك عندما بدأوا يحققون الانتصارات تم فرض الهدنة واتفاق سلام ظالم(دايتون) ينهي الحرب وسط شروط صعبة بالنسبة لهم يعانون من آثارها حتى يومنا الحاضر، لكن القائد البطل علي عزت بيجوفتش رحمه اضطر للتوقيع عليه لمنع نزيف المزيد من الدماء بعد حرب راح ضحيتها أكثر من ربع مليون نسمة من أبناء شعبه.
تفاصيل أكثر لمن أراد في مقال مهم جدا رابطه في التعليق الأول