جعفر عباس يكتب ..
ما من حاكم في تاريخ السودان القديم والحديث حظي بسند جماهيري كما د. عبد الله حمدوك، الذي صار رئيسا للوزراء عقب ثورة كاسحة عارمة اقتلعت نظاما باطشا وفاسدا أعمل معاول التخريب في كل ميدان، وفرسان وفارسات تلك الثورة يدركون أن حكومة حمدوك غير قادرة على اجتراح المعجزات، ولكنهم لا يقبلون أن تواصل نهج نفس حكومة الكيزان البائسة من حيث كسر ظهر المواطن بجبابات مباشرة وغير مباشرة، مع التنصل من الوعود والجداول الزمنية المرتبطة بإنجاز عدد من الأمور المهمة، وفي تقديري فإن مكمن العلل التي تعاني منها الحكومة هي قيادة قوى الحرية والتغيير التي أولتها الجماهير الثقة لتقود الثورة وتدير أمور الحكم بعد انتصارها، فإذا ببعض عناصر تلك القيادة تثبت أنها قصيرة النظر وانتهازية بدأت في التفريط في الثورة منذ توافقت مع العسكر على اقتسام السلطة، ثم انقلب أقطابها على بعضهم البعض في معركة التكويش على المناصب والغنائم، مع أنهم ينتمون الى تنظيمات ما زالت في مرحلة اليرقة، أو أخرى سرى فيها السوس، ثم جاء فرسان اتفاق جوبا للسلام الى الخرطوم في أكتوبر 2020 مصحوبين بجيوش جرارة، ونسوا أمر أهلهم الذين ما زال الموت يحصدهم، ومن عجب ان شخصا مثل مني اركو مناوي فاز بمنصب حاكم عموم دارفور ما زال يطوف بولايات الشرق والوسط والشمال ويزور المشايخ والأضرحة، ولم يفتح الله عليه بزيارة لدارفور


واعتقد ان أخطر ما يواجه السودانيين حاليا ليس فقط ارتفاع كلفة المعيشة وانحدار قيمة العملة الوطنية عموديا يوما بعد يوم، بل إن المواطن لم يعد آمنا في الشارع او البيت، بظهور عصابات النهب المسلحة بموازاة عجز فاضح للأجهزة الأمنية (وجهاز أمن حكومة الكيزان ما زال “كما كان” بكوادره القديمة اللئيمة)، هذا في وقت صار فيه للوطن جيش رسمي، ولنائب رئيس مجلس السيادة جيشه، ولثلاثة أعضاء من مجلس السيادة جيوشهم، ولوزير المالية جيشه الى جانب جيوش أخرى “قطاع خاص”، ستصبح جميعا عبئا على الوطن والمواطن، والأنكى من ذلك ان هناك قتلة ومجرمين محترفين يجلسون في مراقي السلطة العليا في البلاد ويا ويح وطن يكون فيها حاميها حراميها (تروج هذه الأيام نصيحة أن يعمل الطلاب الأذكياء والمجتهدون على تحسين علاقاتهم بزملائهم الأغبياء الذين سيصبحون مسؤولين كبار لاحقا)
المواطن يأكل الحصرم، والثوريون الحقيقيون يأكلون “في خاطرهم” فالحكومة الحالية ولو نظريا وليدة الثورة، وعجزها وهزالها بيِّن وواضح، ولعل ما يمنع أنصار الثورة والتغيير من اسقاطها كما يدعو الشيوعيون، هو ان ذلك قد يؤدي الى أيلولة السلطة الى العسكر والمليشيات الموالية لهم، ولكن حكومة تراهن على البقاء لكون الناس تخاف من البديل تخدع نفسها وشعبها، ففزاعة عدم وجود البديل هي التي كانت حكومة الكيزان تراهن عليها في بقائها، ونعترف لحكومة حمدوك انها أخرجت البلاد من عزلتها وبرأتها من تهمة الإرهاب وخففت عبء الديون، ولكن المواطن يريد ان يرى ولو مجرد “بشارة” توحي بأن التغيير حادث، وأن يوم باكر سيكون “أحلى”، ولكن ليس في الأفق ما يوحي بذلك، مما يفسر ارتفاع أصوات قوى الثورة المضادة، وخفوت أصوات القوى الثورية التي تستحي ان تدافع عن حكومة عاجزة حتى وان كانت وليدة الثورة