‎لم يزل حسن الترابي عبر حياته الممتلئة مثيرا للإعجاب بقدر ما كان مثيرا للجدل. فلعلنا حين نحاول أن نكتب سيرة الترابي نكون بذلك قد نكتب تاريخ السودان الحديث منذ الاستقلال. بل إن مشروع حسن الترابي الفكري الذي ذاع صيته، وطموحه العربي والإسلامي الذي لم يتجل عبر أفكاره وحسب، بل وعبر سياساته الجريئة تجاه القضية الفلسطينية وحركة حماس، وتجاه تنظيم القاعدة إبان نشأته، تجعل حسن الترابي واحدا من أهم الشخصيات العربية في النصف الثاني من القرن العشرين.

البداية
‎ولد حسن الترابي في كسلا عام 1932م ابنًا لقاضٍ شرعي من أسرة تنتمي دينيا للطائفة الختمية، وتنتمي قبليا لقبيلة البديرية الدهمشية. درس القانون في جامعة الخرطوم وهناك حاز على درجة البكالريوس. ثم درس الماجستير في جامعة أكسفورد و الدكتوراه في جامعة السربون في باريس.
‎بعد عودته من الدراسة في جامعة الخرطوم لمع نجمه في سماء السياسة السودانية حيث قاد حركة الطلاب في 1964م والتي تحولت إلى ثورة شعبية، وهو أول من دعا بشكل واضح وصريح لإسقاط النظام العسكري عام 1964 حين قال في ندوة في الجامعة:
‎«إن حل مشكلة الجنوب يكمن في حل مشكلة الشمال، ويكمن الاثنان معا في زوال الحكم العسكري الحالي وقيام حكم دستوري مؤسس على الخيار الديمقراطي للشعب»
‎وكانت هذه الكلمات هي طلقة البداية في انطلاق الثورة التي أطاحت بنظام عبود واستبدلته بحكومة مدنية برئاسة سر الختم الخليفة والذي كان يعمل مساعدا لوزير التربية و التعليم العسكري (للمزيد عن ثورة أكتوبر 1964 اقرأ:ثورة أكتوبر 1964 في السودان: أول ثورة عربية ضد نظام عسكري).

بين الترابي والنميري
‎بعد الثورة دخل حسن الترابي إلى البرلمان عبر دوائر الخريجين، وهي دوائر انتخابية معينة متاحة للجامعيين، ومنها بدأ مسيرة النضال المزدوج دعوة للدستور الإسلامي ومناكفة للتيار الشيوعي الذي كان في أوج قوته؛ ومع ذلك حقق دكتور حسن الترابي ما يريد: فبضغط شعبي تم بعد حادثة إساءة لزوجات الرسول في دار المعلمين من قبل شوقي أبو تعريفة (الناشط الشيوعي) تم إصدار قرار من البرلمان بحظر نشاط الحزب الشيوعي ومصادرة جميع ممتلكات الحزب وملاحقة أعضائه.

حسن الترابي في شبابه
‎تحالف الشيوعيون مع الجيش ومع القوى الإقليمية (مصر الناصرية) وجاء انقلاب 25 مايو 1969 نتيجة لهذا التحالف، وكان أول المستهدفين بعد الانقلاب التيار الإسلامي وزعيمه الشاب الدكتور حسن الترابي. و كان من نتائج هذا الانقلاب إخلاء الساحة المعارضة تماما من أي تيار سوى التيار الإسلامي حيث كان الحكم في البداية تشاركيا بين الجيش والتيارات اليسارية والتي ما فتأت تحاول أن تثتأثر بالحكم دون الجيش فكان انقلاب هاشم العطا الشيوعي والذي أُحبط بدعم دولي كبير من القذافي والسادات ومن ثم قام النميري بعملية استئصال التيار الشيوعي بالقوة المسلحة وقام بتطهير

مؤسسات الدولة من الشيوعيين.
‎تشكلت الجبهة الوطنية خارج السودان من تحالف أحزاب الأمة والاتحادي والتيار الإسلامي، وكانت هذه الجبهة على قناعة تامة أن لا تغيير سيتم بغير استخدام القوة المسلحة خصوصا بعد المجازر التي قام بها النظام المايوي في «جزيرة آبا» وفي «ود نوباوي» (أحد أهم أحياء أم درمان) والقمع الدموي لمظاهرات الطلاب في شعبان 1973م. وأيد الترابي كل عمليات الجبهة الوطنية المعارضة لنميري بما فيها الهجمة العسكرية التي قامت بها الجبهة على الخرطوم في يوليو 1977م والتي كادت أن تطيح بنظام جعفر نميري لولا خوف وقلق الأحزاب السياسية في الجبهة من الترابي ومن ما يمكن أن يفعله لو سقط نميري؛ فمع أن تيار الترابي ليس تيارا كبيرا، إلا أن دهاء الترابي يمكن أن يقلب الموازين: لذلك تخاذل الصادق المهدي ولم يرسل من يُشغّل دار الإذاعة ليعلن سقوط جعفر النميري مما سمح للنميري باستعادة زمام المبادرة ثم القضاء على هذا التحرك وإلقاء القبض على من قام به وتسمية من فعلوا ذلك من المعارضين السياسيين بالمرتزقة و العملاء.
‎قرر الترابي بعد ذلك الدخول في تحالف مع النظام، فقبِل بحل تنظيمه الإسلامي رغما عن الإخوان المسلمين و أعلن دخوله و أنصاره الإتحاد الإشتراكي و قبوله منصب النائب العام ثم وزير العدل في حكومات جعفر نميري مقابل سماح نميري للترابي و أنصاره بحرية الدعوة و إعادة المفصولين و السماح لأنصار الحركة بالدخول للقوات الأمنية و العسكرية فأنشئ الترابي بنكا إسلاميا ثم أنشئ جمعية نسائية و أنشئ منظمة للدعوة الإسلامية و كانت هذه المؤسسات هي الوسيلة الذي عبد بها الترابي طريقه للسلطة ، و أصبح المجتمع يغلي من أفكار الترابي الثورية خصوصا بعد قيام الثورة الإسلامية في إيران 1979م و هذا مما أقلق جعفر نميري كثيرا فدفعه ذلك لأن يزايد على الترابي في الإسلام ليرضي أكبر قاعدة شعبية فأعلن جعفر نميري عن قوانين الشريعة الإسلامية ثم أعلن عن تطبيق حد الردة في محمود محمد طه!
‎ثم ما لبث نميري أن مل من البقاء في هذا الصلح الخاسر والذي يقتله ببطء بأن يجعل الترابي يتقوى على حسابه، فاعتقل قيادات الإسلاميين وسافر إلى أمريكا للعلاج فانقلب عليه الجيش بدعم شعبي كبير في انتفاضة 6 ابريل 1985م.

الترابي إلى السلطة
‎اعتبر اليساريون والأحزاب المعارضة لنميري الترابي وحزبه فلولا و سدنة لنظام مايو، وكان هذا خطأ كبيرا منهم، وتقديرا غير ذكي لذكاء الترابي، وهذا كلفهم أن يتحدوا في الانتخابات ضد الترابي، ورغم ذلك حاز الترابي وحزبه المركز الثالث بـ 52 مقعدًا خلف الحزب الاتحادي بـ 59 مقعدًا.
‎تحالفت الأحزاب الثلاث الكبرى ما بعد الانتخابات واختير الترابي وزيرا للخارجية، ولكن هذا لم يدم، فسرعان ما أطيح بالترابي وحزبه الجبهة الإسلامية بضغط من نظام الرئيس حسني مبارك.
‎صبر الترابي على إهانة الطرد من الحكومة هو وأنصاره، فبدأ تجار الجبهة الإسلامية بخلق الأزمات في السوق «أزمة الدقيق»، «أزمة السكر»، «أزمة البنزين»، ثم كان أنصار الترابي يندسون بين طوابير الناس في الأفران والأسواق فيهتفون: «سكر سكر ولا العسكر»، «عيش عيش ولا الجيش» وكان لهم ما أرادوا، فتم تعبئة الشعب تماما ضد حكومة الصادق المهدي حتى يطلب الخلاص من الجيش.
‎كان الترابي حينها يراقب الأوضاع وأيقن تماما أن انقلاب الجيش قادم لا محالة، وإن لم يكن هذا الانقلاب اليوم فهو غدًا، فشكّل خلايا انقلابية ثم وضع خطة عسكرية بارعة لتضليل الاستخبارات العسكرية بأن أقام عددا كبيرا من الانقلابات الوهمية التي شغل بها ضباط الجيش، ثم فجأة كان الانقلاب الحقيقي في 30 يونيو 1989م باسم ثورة الإنقاذ الوطني بواسطة العميد عمر حسن أحمد البشير.
‎كان الترابي يدرك أن الحكم مباشرة هو خطأ والمجتمع الدولي لن يقبل بهذا، ولذلك قام بعملية تضليل للاستخبارات العالمية بأن سجن نفسه في نفس الزنزانة مع الصادق المهدي ومع محمد عثمان الميرغني، وبهذا اطمئنت المخابرات الدولية أن الانقلاب ليس اسلاميا بل هو انقلاب ضباط احرار ضجروا من الفوضى التي صنعتها النخبة المدنية الحاكمة، وخرجت مانشيتات الصحف العالمية تقول: انقلاب يقوده ضابط مجهول في السودان.
‎بعد عامين من الإنقلاب بدأ يتكشف نَفَسه الإسلامي بعد أن تدثر في البداية بادعاء تطبيق الأفكار الجماهيرية التي يدعو لها العقيد معمر القذافي من أجل الحصول على الدعم الليبي. وما إن خرج الترابي من المعتقل حتى بدأ الشيخ يبشر بالدولة الإسلامية في السودان، وهذا ما لم تتقبله الدول العربية و الغربية فبدأت هذه الدول تمويل ودعم المعارضة، بل طالبت دول عربية صراحة بإنشاء مناطق حظر جوي على السودان لأنه بلد يؤيد الإرهاب. ثم أعلن الترابي التحدي لهذه الدول فأعلن ما يسمى بالمؤتمر الشعبي العربي الإسلامي وضم هذا المؤتمر حركات المقاومة من جميع أنحاء العالم الإسلامي. ثم أعلن الترابي عن جولة عالمية لشرح صورة النظام في الخارج فزار الفاتيكان وكندا و دولا غربية ليوضح لهم الصورة.
‎نهاية اللعبة

‎أعلن الترابي لاحقا عن مشروعه السياسي والذي سماه بـ «مشروع التوالي السياسي» والذي هو في جذره قائم على دستور عصري مستمد من الشريعة، ولكن يقلص كثيرا من صلاحيات الرئيس لصالح البرلمان، وهذا مما كان يرفضه عمر البشير، فكان انقلاب التلميذ على أستاذه في الرابع من رمضان 1420هـ.
‎تم سجن الترابي والتنكيل به وبكثير من تلاميذه، حتى أنهم سجنوه ذات مرة في سجن بورسودان في الصيف في وقت شديد الحرارة حتى كاد أن يموت لولا أن قدر الله له الحياة.
‎واصل الترابي معارضته لنظام البشير حتى بلغ حدودا غير مسبوقة في المعارضة فطالب صراحة بتسليمه لمحكمة الجنايات الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب في دارفور. ثم ببرغماتيته المعهودة، عندما هبت رياح استئصال الإسلاميين في المنطقة، تصالح دكتور حسن الترابي مع عمر البشير وطرح مفهوم جديد للسلطة سماه بالنظام الخالف، لكن قدر الله أن لا يرى الشيخ نظامه الخالف بأن قبض روحه في يوم 5 مارس 2016م بعد مسيرة سياسية طويلة انطلقت من الصفر إلى القمة.