ها نحن على بعد يومين من مجزرة القيادة العامة في التاسع و العشرين من رمضان. إنها الجريمة الأكثر لؤما و الأبشع تخطيطا و تنفيذا في تاريخ السودان: قتل الثوار الصائمين وهم في حمى الجيش أو هكذا ظنوا. ان مجزرة القيادة كانت تصميما مجرما لقتل روح و آحلام السودانية الثورة السودانية التي حققت أعظم تجلياتها الانسانية في ( أخوية و رفاقية ) أيام الاعتصام.
على ( قادة الثورة ) النائمين في الخط أن يخرجوا عن صمتهم و يحدثوا شباب الثورة و الشعب السوداني عن ( مآلات الثورة) بين يدي ( تشظي) عقلها و قلبها تحت سلطان ( الشجون الصغرى) و تارة أخرى بسبب ( الفاقة الفكرية) حيث لا أحد يحدث الناس عن الغد و كيف سيكون.
ليس من اللياقة التعلل بالكرونا ففي ( الليفات ) ما يغني عن الجموع. و ليس من الكياسة السياسية لزوم الصمت حيث ينبغي الكلام.
على السيد عبدالله حمدوك ان يخرج عن صمته في هذا اليوم ليبشر الناس بالأحلام المشروعة للشعب السوداني. فموكبه الى رئاسة حكومة الثورة إنما عبر من فوق أجساد الذين ضحوا بأرواحهم من أجل حياة أكرم للشعب السوداني.
إن عدم تحقيق العدالة في مجزرة القيادة بعد عام من ارتكابها فضلا عن مقاتل أخرى لهو أمر معيب في حق الثورة و في حق قيادتها فضلا عن حكومتها.
سيحدث بعد غد العسكر عن ( شهداء ثورتنا ) و قد يحدثك ( قياديو الثورة ) عن أرواحهم الطاهرة و قد يفتح الله على حمدوك و البرهان و حميدتي بحديث مرسل عن ( شهدائنا الأماجد) دون أن يكلف أي من هؤلاء نفسه مشقة السؤال: من قتلهم إذاً ؟؟؟
على الثورة أن تجدد التزامها بقيمة العدالة و بالسعي الشجاع لإنصاف من قتلوا في دروبها المجللة بالدم.
عليها و أعني قادتها أن يجعلوا من ذكرى فض الاعتصام مناسبة لقمع نفوسهم ( الأمّارة بالرئاسات) و أن يخلصوا العمل من أجل هذا الشعب.
على السيد حمدوك أن يتذكر أن ما أصابه من مجد سياسي ما كان ليحدث في أحلام يقظته لولا شباب آمنوا بضرورة التغيير فبذلوا له من أرواحهم و أجسادهم ما لم يبذل في سائر حياته. عليه أن يتصرف كقائد و ليس ( كأفندي ) تنتهي مهامه بنهاية يوم العمل.
عليه أن يخرج و يطوف على شعبه الصابر في مدنه و بواديه فيواسيه بالكلم الطيب و الوعد الحق بسودان قوي آمن و مستغن عن غيره لأن عبارته السقيمة حول ( العمل المتناغم مع العسكر) عبارة مضللة و خاطئة. فالعمل مع العسكر كان نزولا على سلطان ضرورات قاهرة. و لذلك ليس أضل من فكرة التناغم ( الحمدوكية) إلا تبشيره في خطاباته الخارجية بما سماه ( النموذج السوداني ) في الشراكة مع العسكر و أنه تجربة يقدمها السودان للعالم للتأسي. بئسه من نموذج قصقص طلاقة الثورة و أورثها عاهات في الأداء ما تنفك تقعد بها في قضايا السلام و العدالة و الحكم و الاقتصاد.
ربما حان الوقت بين يدي ذكرى الدم المسفوح أن تراجع قوى الحرية و التغيير مجمل أدائها و أن تستدرك ما فاتها من قصور و أن تعالج ما أصابها من وهن (المنافسة و التدابر و التآمر بين مكوناتها). فالنظام الذي اسقطته الثورة لم يسقط إلا بعد ان تمكن الضعف منه بسبب فساده و صراع ( مراكز القوة) فيه. و قانون السقوط و القيام قانون مضطرد فانتبهوا.
ليس من المقبول عقلا و سياسة ان تمضي الثورة الى عامها الثاني وهي بلا مجلس تشريعي يكون رقيبا على أداء الحكومة و يضبط هرج تشريعها المنوط بمجلسي السيادة و الوزراء اللذين تواطآ على تغييب المجلس و لكل أسبابه.
ليس من حسن السياسة و الحكم هذا التداخل المعيب في الصلاحيات بين المجلسين و هو إنما يدل على ضعف القيادة في الجهاز التنفيذي.
لقد أصبحت الثورة رهينة في يد الحركات المسلحة فتعطل المجلس التشريعي و تعيين حكام الولايات و أصبحت قضية السلام عقبة كأداء في مسيرة هذا البلد. إن الحل الشامل لمسألة السلام و كيفية حكم السودان لا يمكن أن يعهد بها الى حكومة انتقالية بلا برلمان فهذه قضايا تتعلق بتأسيس الدولة السودانية تأسيسًا جديدا و هي بحاجة الى اجماع لا يستثني أحدا من قوى السودان الحديثة و القديمة ولا يمكن ان يترك أمر على هذا القدر من الخطورة لحميدتي و كباشي و التعايشي بالغا ما بلغت صحافتهم السياسية و صدق نياتهم.
بين يدي ذكرى الدم المسفوح لشهداء اعتصام القيادة لابد ان تواتي الجرأة ( الأيدي المرتعشة) فتطرح مسألة ( الجيش و الدعم السريع) فهنا مكمن خطر كبير. فالبداهة تقول إن أي بلد يكون له جيش واحد و ان تعددت تشكيلاته و له قيادة عليا واحدة و هيئة اركان واحدة و عقيدة عسكرية واحدة.
إن هذا الوضع ( المشاتر ) يحتقب شرا كثيرا و سداد الرأي و العزم و الجسارة الوطنية تقتضي ترتيبه اليوم قبل الغد.
لو قدر لشهداء مجزرة القيادة و شهداء الثورة جميعا ان يروا من شرفاتهم العلية و مقاعدهم السنية حال الثورة لأنكروا عليها قلة ما صنعت بدمائهم و عابوا عليها أنها ضيعت من فروض العمل الوطني كثيرا مما لا تصح الثورة إلا به.
و لربما سألوا الأحياء غير نادمين في ذكرى قتلهم: من قتلنا؟
من قتلهم يا برهان؟
من قتلهم يا حميدتي؟
من قتلهم يا حمدوك؟
من قتلهم أيها ( القياديون و القياديات)؟

SHARE