إذا كان من قاسم مشترك لما يجري في أمريكا فسيكون هو كما يقول المثل الشهير “الفيل الذي في الغرفة” موجود ولا يراه أحد في المشهد ويحاولون تجاهله، إنها الانتخابات تقترب وتأخذ هذه المرة بعدا مختلفا يمثل ذروة المواجهة بين تيارين مجتمعين.

التياران هما التقدميون الليبراليون الذين حفز حضورهم عاملان أساسيان: المجال العام المتسع والنفوذ الاقتصادي عبر سيلكون فالي للتيار التقدمي الشبابي الذي أصبح يلعب دورا مهما من داخل الطبقة الرأسمالية الأمريكية. واليمين البديل الذي خرج من عباءة حزب الشاي، والذي عزز حضوره وصول ترمب ليصبح المشهد الذي ترك عليه أوباما البلاد هو طرفان على النقيض؛ أقصى اليسار وأقصى اليمين وكلاهما خارج استيعاب الثنائية الحزبية الامريكية التي لم تعد تستوعب أفكارهم، تصارع التياران وغلب اليمين البديل ووصل ترمب للحكم، ليكون ممثلا لأفكارهم برداء الحزب الجمهوري…

كان وصول ترمب ضربة قاصمة لتيار التقدميين الليبراليين أحدث شرخا عميقا فيه، وانقسم لتيارين، تيار يدعم فكرة مركزية الحزب الديمقراطي ودعم الرأسمالية كباب للتقدمية، وآخر رأى تبني أفكارا يسارية حادة وإن اختلفت عن طبيعة المجتمع الامريكي كما جاءت في برنامج بيرني ساندرز هو الحل معظم تيار بيرني ساندرز لا يؤمن بأيديولوجيته لكنه يرى في الدفع بأفكاره للبيت الابيض سبيلا للتغيير الجذري وتحريرا للمجتمع من قبضة الخلاف القديم الجديد حول دور الحكومة الفيدرالية في الاقتصاد والسياسة، خاصة بعد سنوات أوباما التي يعتبرونها فرصة ضائعة باعتباره”ليبراليا محافظا”بنظرهم

هذا الشرخ على دفة الديمقراطيين أو قل من لف لفهم وعمل في دوائرهم، أضعف جبهتهم، وأدى لفشل كلينتون التي اُعتبرت إعادة انتاج لأوباما الليبرالي غير الحاسم، وكان منطقيا أن يفشل ساندرز مجددا لصالح بايدن باعتبار أن التيار التقدمي الذي لبس عباءة اليسار يصعب عليه بناء قواعده

خلال ٨ سنوات من حكم أوباما استطاع الديمقراطيون كمؤسسة أن يغيروا مفاصل الدولة عبر تعيينات القضاة الفيدراليون ومؤسسات الأمن والاستخبارات، وهو أمر يحدث في العادة من كلا الحزبين مع بقاء الرئيس في الحكم لفترتين يكون فيهما “تنظيف المنزل” لصالح حزبه ممكنا

تيار اليمين البديل على دفة الجمهوريين، لم يكن من رحمه، لم يأت من حزب الشاي جوهريا وإنما شكليا ليضمن تغلغله واستغلال قواعد الحزب في العملية الانتخابية، كان نجاحا مذهلا، فاليمين البديل الذي كان أبرز نجومه ستيف بانون يعتمد على يمينيين منظرين من خريجي الجامعات الكبرى وليس وليس يمنيون محافظون دينيون، يقدمون الأيدلوجيا على المصالحية السياسية بالمعنى الصريح. وصل ترمب الحكم بدعم اليمين البديل الذي استطاع أن يقدم مبررات مقنعة لتيار المحافظين التقليدي الديني بأن”كبائر”ترمب يمكن ابتلاعها والتصويت له حتى وإن كنت تصلي الأحد وترفض كل ما فعله مع النساء

كان صراعا محتدما ذلك الذي اندلع على جبهتين بعد وصول ترمب للحكم؛ صراع بين اليمين البديل والتيار التقليدي داخل الحزب الجمهوري من جهة، وصراع بين تكنوقراط أوباما الليبراليين، والمحافظون التقليديون داخل مفاصل مؤسسات الحكم من جهة اخرى فشل التيار التقليدي في الحزب الجمهوري في احتواء ترمب، وسرعان ما تخلص من كل التعيينات التي جلبوها له في بداية رئاسته؛ تيللرسون، جيمس ماتيس، جون كيلي وغيرهم، ليتبقى فقط بومبيو الذي استطاع أن يتخلص من رداء الحزب لصالح افكار ترمب واجندته فأصبح الباقي الوحيد في المركب

ببراعة شديدة خرج ستيف بانون العقل المدبر لليمين البديل من ادارة ترمب متحججا بأنه لم يكن مخلصا لأفكار اليمين البديل وأنه يتصرف خارج اجندة القومية الامريكيةاليمينية التي يدعمها،لكنها كانت مناورة ذكية. أفصح بانون عنها لاحقا حين قال ” ترمب لم يكن يوما يمينيا لكنه كان الاداة التي كان الاداة التي قرعنا بها الطبول في البيت الأبيض، المهم الان ليس استمراره او نجاحه من عدمه، المهم ان يبقى التيار ويتسع” بانون قال هذا الكلام وهو يفتتح مدرسة لتعليم أسس الانتماء لليمين البديل في ايطاليا، قال عنها مدرسة المحافظين الجدد. بانون ترك خلفه بدهاء ستيفن ميللر

ستيفن ميللر هو فتى بانون المدلل، وهو كاتب خطابات ترمب الان وربما معظم تغريداته، شاب في الثلاثينات من منظري اليمين البديل واصحاب فكرة القومية الامريكية والتمترس الاقتصادي الوطني حسبما يقول أدرك بانون وكماقال أن قرع الطبول لنشوء التيار واستمراره بوجود ترمب سينتهي بكارثة عندما تصطدم عربة ترمب الرئاسية بالحائط فهو بالنسبة له يقودها دون مكابح ولابد أن مطبات الطريق كثيرة لأن المجتمع سيقاوم ولأن بانون يعرف رفاقه السابقين في هارفارد وجورج تاون من تيار التقدميين وعناده لعب ترمب منذ مطلع فترته الرئاسية بورقة الاقتصاد باعتبارها أساسية في نجاحه وبقائه، فالطبقة الرأسمالية التي يعرفها جيدا وينتمي إليها هي مفتاحه الاساسي في هزيمة المرشح الديمقراطي المقبل،إذ قال في احدى حواراته، “لا أحب ان اغضب وول ستريت وسأظل ادعمهم لأنهم يدفعون لطبقتنا العمالية كانت كل المؤشرات الاقتصادية قبل ازمة كورونا في صالحه، ولو أنها توقفت فقط عند تداعيات الوفيات والاصابات لكان الامر هينا عليه، لكن ايقاف الاقتصاد والاغلاق والضربة الكبيرة التي تلقاها الاقتصاد وضعته على حافة الفشل في عين قواعده ونزعت كل الزخم الذي كان في أعينهم لصالحه

40 مليون امريكي فقدوا وظائفهم، أهم من فيهم الطبقة العاملة في الصناعات الكبرى والصغيرة، هؤلاء هم قاعدته الاساسية، ولأن كلمة اعادة فتح الاقتصاد التي اعتاد ترمب على تكرارها باعتبارها Big Boom غدت مع الوقت مستحيله، لأن التداعيات ستحتاج وقتا طويلا لتتلاشى قد يستغرق عامين فإن ترمب أدرك أن إعادة شحن تياره عبر استراتيجة المواجهة من أجل البقاء هي الوحيدة. رأى ترمب في خلق عدو خارجي محاولة جيدة لتحويل اللوم فيما يجري، فاستخدم الصين لتعزيز ذلك واستعمل مناورات فارغة في ذلك، كأن يخرج ليعلن عقابها بعد حملة دعائية على حسابه بتويتر قبلها بيوم ليستحيل الأمر مجرد عقاب لا عقاب فيه، فماذا يعني عقوبات على مسؤولين على علاقة بما يجري في هونغ كونغ على قرار لم يحصل له تبعات على الأرض بعد، لكنه تلقف هدية بيجين وحولها لعرض اعتلى فيه المسرح أمام قواعده الذين قد لا يلتقيهم ابدا حتى يوم التصويت بسبب كورونا

يعود هنا تيار التقدميين في سيليكون فالي للمشهد، انقضاض جاك مؤسس تويتر على الجريح ترمب كان توقيتا ذكيا، فالانتخابات الى الابواب، وحتى متى سيسكت التقدميون على تحويل ترمب ادواتهم لسلاح حشد تأييد ودعم اليمين البديل. اختار جاك اللحظة وادرك أن ترمب ان يقترب من تغيير الماده ٢٣٠

ادرك أن ترمب لن يقترب من المادة ٢٣٠ لأن الامر لن يستغرق سوى ايام وتحكم المحكمة العليا بعدم دستورية تدخل الرئيس في تشريع لأن مبدأ الفصل بين السلطات لن يخضع حينها لتوازنات المحكمة الايدلوجية التي يغلب فيها المحافظون بعد تعيين ترمب قاضيين ثم تأتي هنا معركته الثالثه بخصوص ما يجري في مينسوتا، مرة أخرى يمكنه أن يعتلي المسرح ويرسل رسائله المشفرة لقواعده، التشدد مع مظاهرات الافارقة الامريكيين، و “دعم الشرطة في مواجهة الفوضى والنهب” وهنا يضرب جاك-تويتر من جديد ليظهره في موقع لا يحبه “ضعيفا مقيدا بقواعد لعبة الاخرين انتقائية جاك-تويتر لتغريدتي ترمب، المتصلتين مباشرة بالانتخابات وعلاقات ترمب بقواعده وصورته على مرمى اشهر من الانتخابات، رساله واضحه من التقدميين الليبراليين، ليس كتيار وإنما كفكر وأفراد منتمين وربما بدافع فردي من جاك نفسه ستنتهي مظاهرات فلويد الغاضبة خلال يومين كعادة هذه المواقف المأساوية في عمر أمريكا والتي تذهب وتجيء كل عام، لكن ما سيبقى هو محاولات ترمب اعتلاء المسرح وخلق عدو أمام قواعده التي يخشى من خذلانها له في الانتخابات باعتبار أن ضربة الاقتصاد التي طالتهم كفيلة أن تصيبهم بالفتور حياله معظم ضحايا كورونا في ولايات زرقاء تصوت عادة لمرشح الرئاسة الديمقراطي ولهذا فإن الاثار الاقتصادية لكورونا المتعدية التي طالت كل الولايات زرقاء ديمقراطية وحمراء جمهورية،ستكون مكمن الخطر على ترمب وليس عداد الموتى،وسيكون على بايدن أن يفعل كل ما يمكنه ليقدم وعودا لانتشال المأزومين

لكن بايدن سيحتاج لينجح موجة دافعة من التيار التقدمي الذي يظهر أنه لا يملك خيارا الان سوى التصويت لصالحه.. وسيحسم الأمر كما حسم خلال انتخابات ترمب-كلينتون عامل أساسي وهو.. من سيحشد أصواتا أكثر في ولايات حزام الصدأ حزام الصدأ هو المنطقة المعروفة سابقا باسم قلب المنطقة الصناعية الأمريكية تبدأ في نيويورك ويتجه إلى الغرب من خلال بنسلفانيا، ولاية فرجينيا الغربية، أوهايو، إنديانا، ثم ينحدر إلى شبه جزيرة ميشيغان، وينتهي في شمال إلينوي وشرق ولاية ويسكونسن هناك ما يعرف بمفاجأة اكتوبر في الانتخابات الامريكية التي تقلب موازينها قبل شهر عليها، لكن يظهر أن سباق ترمب-بايدن لا يحتاجها، فكورونا أم المفاجآت وما بعدها لا يعدو كونه حدثا مهما كان، ليبقى هنا سؤال قائم عن احتمالية تأجيل الانتخابات؟ هل هذا وارد وممكن